ابراهيم بن عمر البقاعي
12
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وحده لخروج قوته من بين ما نعالجه ونعانيه عن طاقتنا بكل اعتبار ولا مكافئين في القوة غالبين ضابطين ، مطيقين من أقرن الأمر : أطاقه وقوي عليه فصار بحيث يقرنه بما شاء . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 14 إلى 18 ] وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ( 14 ) وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 17 ) أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) ولما كان كل راكب شيئا من هذين الصنفين مستحضرا كل حين أنه ينقلب بطن شقة أسفاره إلى محل قراره ، ذكرهم سبحانه بذلك أن ظهر هذه الأرض لهم مثل ظهور السفن والدواب يسبحون بها في لجج أمواج الزمان وتصاريف الحدثان ، هم على ظهرها مسافرون ، ولكنهم لطول الإلف عنه غافلون ، وقليلا ما يذكرون ، وأنهم على خطر فيما صاروا إليه من ظهور هذه الأشياء يوشك أن يكون سبب موتهم ومثير هلكهم وقوتهم ، فقال عاطفا على ما تقديره : فمن ربنا كان ابتداؤنا لا نعلم شيئا ولا نقدر على شيء ، والآن نحن متى شئنا ساكنون ، ومهما أردنا منتشرون وَإِنَّا إِلى رَبِّنا المحسن إلينا بالبداءة والإقرار على هذه التنقلات على هذه المراكيب لا إلى غيره لَمُنْقَلِبُونَ أي لصائرون ومتوجهون وسائرون بالموت وما بعده إلى الدار الآخرة انقلابا لا إياب معه إلى هذه الدار ، فالآية منبهة بالسير الدنيوي على السير الأخروي ، وأكد لأجل إنكارهم للبعث حتى لا يزالوا مراقبين للمنعم عليهم ، ويجوز أن يكون المعنى أنه لما أمرهم بالمراقبة على نعمة الركوب ، عبر بالانقلاب تذكيرا بنعمته عليهم في حال الدعة والسكون قبل الانقلاب وبعده ، أي وإنا بعد رجوعنا إلى نعمة ربنا لمنقلبون أي وإنا في نعمة في كل حال ، روى أحمد وأبو داود والترمذي - وقال : حسن صحيح - والنسائي عن علي رضي اللّه عنه أنه وضع رجله في الركاب وقال : بسم اللّه ، فلما استوى على الدابة قال : الحمد للّه الذي سخر لنا هذا - الآية ، ثم حمد اللّه ثلاثا وكبر ثلاثا ثم قال : سبحانك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي ، ثم ضحك ، وأخبر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فعل مثله ، وقال : « يعجب الرب من عبده إذا قال : رب اغفر لي ويقول : علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري » « 1 » . روى أحمد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أردفه على دابة ، فلما استوى عليها كبر ثلاثا وحمد اللّه ثلاثا وسبح ثلاثا وهلل اللّه واحدة
--> ( 1 ) جيد . أخرجه أبو داود 2602 والترمذي 3446 وابن حبان 2698 والحاكم 2 / 98 - 99 والطيالسي 132 والبيهقي في الأسماء والصفات ص 471 من حديث علي وإسناده جيد .